ابن العربي

540

أحكام القرآن

الثاني - أنه استثناء متصل ، وهو ظاهر الاستثناء ، ولكنه يرجع إلى ما بعد قوله تعالى : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ - وَالْمُنْخَنِقَةُ إلى . . . ما أَكَلَ السَّبُعُ . الثالث - أنه يرجع الاستثناء إلى التحريم لا إلى المحرم ، ويبقى على ظاهره . المسألة التاسعة في المختار : وذلك أنّا نقول : إن الاستثناء المنقطع لا ينكر في اللغة ولا [ في الشريعة ] « 1 » في القرآن ولا في الحديث حسبما أشرنا إليه في سورة النساء ، كما أنه لا يخفى أنّ الاستثناء المتصل هو أصل اللغة ، وجمهور الكلام ، ولا يرجع إلى المنقطع إلا إذا تعذّر المتصل . وتعذّر المتصل يكون من وجهين : إما عقليا وإما شرعيا ؛ فتعذّر الاتصال العقلي هو ما قدمناه من الأمثلة قبل هذا في الأول . وأما التعذّر الشرعي « 2 » فكقوله تعالى « 3 » : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ . فإنّه قوله : إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ليس رفعا لمتقدم ، وإنما هو بمعنى لكن . وقوله « 4 » : طه . ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى . إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى . وقوله « 5 » : إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ . إِلَّا مَنْ ظَلَمَ . عدنا إلى قوله : إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ ، قلنا : فأما الذي يمنع أن يعود إلى ما يمكن إعادته إليه ، وهو قوله : الْمُنْخَنِقَةُ إلى آخرها كما قال علىّ رضى اللّه عنه : إذا أدركت ذكاة الموقوذة وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها ، وبه قال ابن عباس وزيد بن ثابت ؛ وهو خال عن مانع شرعىّ يردّه ؛ بل قد أحلّه الشرع ؛ فقد ثبت أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بالجبل الذي بالسوق ، وهو سلع « 6 » ، فأصيبت منها شاة فكسرت حجرا فذبحتها ، فذكروا ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فأمر بأكلها . وروى النسائي عن زيد بن ثابت - أن ذئبا نيّب « 7 » شاة فذبحوها بمروة « 8 » ، فرخّص النبي صلّى اللّه عليه وسلم في أكلها .

--> ( 1 ) ليس في ل . ( 2 ) في ل : وأما تعذر الاتصال الشرعي . ( 3 ) سورة يونس ، آية 98 ( 4 ) سورة طه ، آية 1 ، 2 ، 3 . ( 5 ) سورة النمل ، آية 10 ، 11 ( 6 ) في القرطبي : كانت ترعى غنما له بسلع . وسلع : جبل بسوق المدينة ( ياقوت ) . ( 7 ) في ا : نيبت . ونيب الشاة : أثر فيها بنابه ( القاموس ) . ( 8 ) المرو : حجارة بيض براقة ( القاموس ) .